الشوكاني
316
فتح القدير
سعيهم ، والمراد بضلال السعي بطلانه وضياعه ، ويجوز أن يكون في محل نصب على الذم ، ويكون الجواب ( أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ) ويجوز أن يكون في محل جر على أنه نعت للأخسرين أو بدل منه ، ويكون الجواب أيضا هو أولئك وما بعده ، وأول هذه الوجوه هو أولاها ، وجملة ( وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) في محل نصب على الحال من فاعل ضل : أي والحال أنهم يظنون أنهم محسنون في ذلك منتفعون بآثاره ، وتكون جملة ( أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ) مستأنفة مسوقة لتكميل الخسران وبيان سببه ، هذا على الوجه الأول الراجح لا على الوجوه الآخرة ، فإنها هي الجواب كما قدمنا ، ومعنى كفرهم بآيات ربهم : كفرهم بدلائل توحيده من الآيات التكوينية والتنزيلية ، ومعنى كفرهم بلقائه كفرهم بالبعث وما بعده من أمور الآخرة ، ثم رتب على ذلك قوله ( فحبطت أعمالهم ) أي التي عملوها مما يظنونه حسنا ، وهو خسران وضلال ، ثم حكم عليهم بقوله ( فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) أي لا يكون لهم عندنا قدر ولا نعبأ بهم ، وقيل لا يقام لهم ميزان توزن به أعمالهم ، لأن ذلك إنما يكون لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ، وهؤلاء لا حسنات لهم . قال ابن الأعرابي : العرب تقول ما لفلان عندنا وزن : أي قدر لخسته ، ويوصف الرجل بأنه لا وزن له لخفته ، وسرعة طيشه ، وقلة تثبته . والمعنى على هذا أنهم لا يعتد بهم ولا يكون لهم عند الله قدر ولا منزلة ، وقرأ مجاهد " يقيم " بالياء التحتية : أي فلا يقيم الله ، وقرأ الباقون بالنون . ثم بين سبحانه عاقبة هؤلاء وما يؤول إليه أمرهم فقال ( ذلك ) أي الذي ذكرناه من أنواع الوعيد جزاؤهم ، ويكون قوله : جهنم عطف بيان للجزاء ، أو جملة جزاؤهم جهنم مبتدأ وخبر والجملة خبر ذلك ، والسبب في ذلك أنهم ضموا إلى الكفر اتخاذ آيات الله واتخاذ رسله هزوا ، فالباء في ( بما كفروا ) للسببية ، ومعنى كونهم هزوا أنهم مهزوء بهم . وقد اختلف السلف في تعيين هؤلاء الأخسرين أعمالا ، فقيل اليهود والنصارى ، وقيل كفار مكة ، وقيل الخوارج ، وقيل الرهبان أصحاب الصوامع ، والأولى حمل الآية على العموم لكل من اتصف بتلك الصفات المذكورة . ثم ذكر سبحانه بعد هذا الوعيد لهؤلاء الكفار الوعد للمؤمنين فقال ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أي جمعوا بينهما حتى كانوا على ضد صفة من قبلهم ( كانت لهم ) قال ابن الأنباري : كانت فيما سبق من علم الله كانت لأهل طاعته ( جنات الفردوس نزلا ) قال المبرد : الفردوس فيما سمعت من كلام العرب الشجر الملتف والأغلب عليه العنب . واختار الزجاج ما قاله مجاهد : إن الفردوس البستان باللغة الرومية ، وقد تقدم بيان النزل ، وانتصابه على أنه خبر كان . والمعنى : كانت لهم ثمار جنة الفردوس نزلا معدا لهم مبالغة في إكرامهم ، وانتصاب ( خالدين فيها ) على الحال ، وكذلك جملة ( لا يبغون عنها حولا ) في محل نصب على الحال ، والحول مصدر : أي لا يطلبون تحولا عنها إذ هي أعز من أن يطلبوا غيرها ، أو تشتاق أنفسهم إلى سواها . قال ابن الأعرابي وابن قتيبة والأزهري : الحول اسم بمعنى التحول يقوم مقام المصدر ، وقال أبو عبيدة والفراء : إن الحول التحويل . وقد أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق هارون بن عنترة عن أبيه عن ابن عباس في قوله ( وتركنا بعضهم ) الآية قال : الجن والإنس ( يموج ) بعضهم ( في بعض ) . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( لا يستطيعون سمعا ) قال : يعقلون سمعا . وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر عن علي أنه قرأ ( أفحسب الذين كفروا ) قال أبو عبيد بجزم السين وضم الباء . وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة أنه قرأ كذلك . وأخرج عبد الرزاق والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه من طريق مصعب بن سعد قال : سألت أبى ( قل هل ننبئكم بالأخسرين